الشيخ اسماعيل الصالحي المازندراني
74
مفتاح الأصول
وهي ليست باختياريّة ، وإلّا لتسلسل ؛ فأجاب قدّس سرّه عن هذا الإيراد بوجهين : الأوّل : أنّ الاختيار وإن لم يكن بالاختيار ، إلّا أنّ بعض مباديه غالبا يكون وجوده بالاختيار للتّمكن من عدمه بالتّأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللّوم والمذمّة . الثّاني : أنّ العقوبة إنّما تكون من تبعة بعده عن المولى بالتّجرّي كما في العصيان ، فكما أنّ التّجرّي يوجب البعد ، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة ، فإنّه وإن لم يكن باختياره ، إلّا أنّه بسوء سريرته وخبث باطنه بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتا ، والذّاتي ضروريّ الثّبوت للذّات ؛ ولذلك - أيضا - ينقطع السّؤال عن أنّه لم اختار الكافر والعاصي ، الكفر والعصيان ، واختيار المؤمن والمطيع ، الإطاعة والإيمان ، فإنّه يساوق السّؤال عن أنّ الحمار لم يكون ناهقا ، والإنسان لم يكون ناطقا . هذا ، ولكن أمثال هذه المسائل الدّقيقة العميقة ، لا بدّ إيكالها إلى محالّها ، فلا ينبغي البحث عنها في الأصول ونحوه من العلوم الاعتباريّة . التّنبيه الرّابع : قد يستدلّ لإثبات حرمة التّجرّي بالآيات والرّوايات الدّالتان على المؤاخذة والمعاقبة بمجرّد قصد المعصية . أمّا الآيات ، فكقوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ « 1 » . وقوله جلّ جلاله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ « 2 » . وقوله عزّ من قائله : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ
--> ( 1 ) سورة البقرة ( 2 ) ، الآية 284 . ( 2 ) سورة البقرة ( 2 ) ، الآية 225 .